ما هو مفهوم الفرح في الإسلام ؟

الفرح

إنَّ لفظة الفرح في اللغة تعني السرور، ومصدرها فَرِح وجمعها أفراح، وقد عرَّف ابن القيم الفرح على أنَّه: “لذةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى”، إذًا فالفرح مكانه القلب أمَّا ما نراه على الوجه من تبسمٍ وغيره فما هو إلا من آثار الفرح، كما أنَّ الفرح مرتبة أعلى من الرضا، وقد ذُكر الفرح في كتاب الله -عزَّ وجل- في عدة مواضع مثل قول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، وعلى ذلك يمكن القول بأنَّ الإسلام حثَّ على الفرح وجعله من الأمور المشروعة بدليل أنَّه شرع للمسلمين الأعياد والتي هي عبارة عن أيام فرحٍ وسرور، وفي ضوء هذا الشعور القلبي سيتم الحديث عن مفهوم الفرح في الإسلام ثمَّ الحديث عن أعظم أسباب الفرح وهو التقرب إلى الله تعالى.

مفهوم الفرح في الإسلام

ذُكر فيما سبق أنَّ الإسلام مرتبطٌ بالفرح وأنَّه شرع للمسلمين ما يدخل البهجة والسرور إلى قلوبهم، وعلى ذلك يمكن القول بأنَّ مفهوم الفرح في الإسلام عبارة عن عاطفة فطرية قام القرآن الكريم بتوجيهها وتهذيبها وذلك من خلال ضبط مساره، وبيان أنواعه، من حيث الإطلاق والتقييد ولأهمية ذلك ولأهمية توضيح مفهوم الفرح في الإسلام، ولئلَّا يقع المسلم في ما هو مذمومٌ من فرح سيتم تخصيص هذه الفقرة للحديث عن الفرح المذموم والفرح المقيَّد بفضل الله -عزَّ وجلَّ-، وفيما يأتي تفصيل ذلك:

الفرح المقيد بفضل الله

إنَّ الفرح المقيَّد بفضل الله -عزَّ وجلَّ- نوعان: فالنوع الأول هو فرحٌ بالسبب، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، ويفرح المسلم بهذا لأنَّه سببٌ للوصول إلى السعادة الأبدية والخلاص من شقاء الدنيا، فالفرح الحقيقي للمسلم هو الفرح بالله وبالإيمان به وبالسنة النبوية وبالقرآن الكريم، وكلُّ ذلك يعدُّ من أعلى مراتب الدين ومقاماته، أمَّا النوع الثاني فهو الفرح بالمسبب وهو الفرح الذي يشعر به المسلم بما يحصل له من ثمرة وجزاءً للسبب من النعيم في الجنَّة، وما يدلُّ على ذلك قول الله تعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

الفرح المذموم

إنَّ كلَّ فرحٍ مطلقٍ في القرآن الكريم جاء في الذم مثل قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، بالإضافة إلى فرح الإنسان في المعصية كأن يفرح الإنسان بالمال الذي كسبه عن طريق الربا أو السرقة أو الغش، أو بالحصول على ما حرَّم الله من الشهوات، أو بالفرح الحاصل للإنسان بتخلّفه عن أداء الواجبات، مثل قول الله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ}, كما أنَّ الفرح المقيد بالدنيا الذي يُنسي صاحبه فضل الله ومنته يعدُّ فرحًا مذمومًا، ودليل ذلك قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.

التقرب إلى الله تعالى أعظم أسباب الفرح

إنَّ أعظم أسباب فرح المسلم تكون بالتقرب إلى الله -عزَّ وجل- بأداء الطاعات وتوفيق الله له وإعانته عليها، وبتبشيره على الأجر العظيم في الدنيا، ودليل ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ، فإنَّه لي وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ”، ووجه الدلالة في ذلك أنَّ الله بشَّر المسلم بالأجر العظيم الذي سيكون سببًا في فرحته وبهجته يومَ القيامة بسبب تركه لشهواته لينال فضل القرب إلى الله تعالى، وفيما يلي بعض الأمور التي تزيد قرب العبد إلى الله ونيل محبته:

أداء ما افترض الله -عزَّ وجل- على المسلم من صلاة وصيام رمضان وزكاة وغيرها، ودليل ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: “وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه”. الإكثار من النوافل التي شرعها الله -عزَّ وجلَّ- ليتقرب المسلم من خلالها إليه، وليرفع درجاتهم بها، ودليل ذلك قول النبيِّ في الحديث القدسي: “وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ”. اتباع ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،ودليل ذلك قول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. تقوى الله -عزَّ وجل- والإنفاق في السر، ودليل ذلك قول الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.الإحسان إلى الغير، ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. التوبة من الذنوب والتطهر، ودليل ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}. الصبر سبب لنيل محبة الله -عزَّ وجلَّ-، ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}. التوكل على الله -عزَّ وجلَّ- في الأمور كلها، ودليل ذلك قول الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. العدل في الحكم، ودليل ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. الجهاد في سبيل الله، ودليل ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى