ما هو مفهوم المشيئة الإلهية ؟

مفهوم المشيئة

معنى المشيئة في معاجم اللّغة العربيّة الإرادة، ومشيء: اسم مفعول للفعل شاء يشاء، وعندما يريد أن يطلب أحد النّاس من إنسان آخر شيء فإذا أراد أنْ يعده بتأمين ما يحتاجه فيقول له: بمشيئة الله، وشِئْتُ الشّيءَ، أردته، وأَشاؤُه شَيئاً، ومَشاءة ومَشِيئةً، ومَشايةً، وجاء في التّهذيب: المشيئة: مصدر الفعل شاء يشاء، وكذلك جاء في لسان العرب: المشيئة الإلهيّة، أي: الإرادة الإلهيّة، وشاءه على الأمر، أي: حمله على الأمر، فقول البعض إذًا بمشيئة الله: تقال هذه العبارة عند وعد إنسان لمن أراد أن يخدمه بفعل شيء أو رغبته في وقوعه، وقولهم: حسب المشيئة: تقال هذه العبارة عند عدم التّأكّد من وقوع ما يراد وقوعه، أو عدم الوعد في وقوعه، وسيأتي لاحقًا مفهوم المشيئة الإلهية.

مفهوم المشيئة الإلهية

لله المشيئة الكاملة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فما معنى مشيئة الله؟ يمكن أن يستخلص معى مشيئة الله من قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقوله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}. أي إذا أراد الله تعالى لشيء أن يكون، فحسبه أن يأمره بالوجود بقوله: كن فيكون كما أراده في الزّمان والمكان والهيئة، فالله هو الخالق القادر المالك الأحد ليس له شريك في الملك أراد أن تكون هناك أرض يستقرّ عليها العباد ففعل، وسماء تظلّهم ففعل، وأن يكون على الأرض الإنس والجنّ والحيوانات وباقي الهوام ففعل، وأن يكره الملائكة على الطاعة والعبادة ففعل، ويجعل للإنسان حريّة الطّاعة والعبادة ففعل، فمشيئة الله تعالى: فعله لما يريده، لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.

الفرق بين المشيئة والإرادة

كلّ من الإرادة والمشيئة تطلق على الأخرى، وإن كان هناك فرق بينهما في المعنى اللّغويّ، فمعنى المشيئة في الأصل: الإيجاد، بينما الإرادة تعني: طلب الشّيء، فأكثر العلماء لم يفرّقوا بين المشيئة والإرادة، وإن كانتا مختلفتين في الأصل اللّغويّ، فإنّ المشيئة تعني في اللّغة الإيجاد، بينما تعني الإرادة: طلب الشّيء، ونقل ذلك أيضًا عن القطب الرّازي، كما أنّه جاء في كتاب الكلّيات لابن النقاد الكفري: فالمشيئة مأخوذة في أصلها من الشّيء، وهو اسم للموجود، وهي بمعنى الإرادة عند أكثر المتكلّمين، لأنّ الإرادة من ضرورتها الوجود، وإن كانتا مختلفتين -كما ذكر آنفًا- في الأصل اللّغويّ، فالإرادة والمشيئة إذًا تطلق كلّ منهما على الأخرى، وقال ابن عاشور في كتابه التّحرير والتّنوير: “فَالْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ”، حيث قال تعال: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.جاء تعقيبًا على قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ…}. قال المفسّرون: يفعل ما يريد بأهل طاعته وأتقيائه، أي: يكرمهم ويهين العصاة لأنّه لا يُعْجِز الله تعالى شيء، فالذي يريده يفعله دون مانع، وقال ابن كثير: “أَيْ: يُثِيبُ الله مَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فَمثوى الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةُ..، وَمأوى اِلْكَافِرِينَ النَّارُ..، وممّن فرّق بين الإرادة والمشيئة العسكريّ في معجمه الفروق اللّغوية، حيث قال: “الفرق بين الإرادة والمشيئة: أن الإرادة تكون لما يتراخى وقته ولما لا يتراخى، والمشيئة لما لم يتراخ وقته”. كما أنّهم أوجدوا فرقًا بين المعنى الشّرعي والدّيني للإرادة وبين معنى المشيئة؛ فقالوا: الإرادة الشّرعية لا تكون إلا فيما يحبّه الله، وأمّا الإرادة الكونيّة أو المشيئة فيمكن أن تكون فيما يحبّه الله ويرضاه وفيما لا يحبّه ولا يرضاه، فكلّ ما في هذا العالم من خير وشرّ، ممّا يحبّه الله وممّا لا يحبّه، فقد شاءه الله وأراده إرادة كونيّة. والله أعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى