ما هي شروط العزلة الشرعية ؟

مفهوم العزلة الشرعية

إنّ العزلة في اللغة من عزل الشيء أي: نحّاه جانبًا فتنحّى، وتعازل القوم، أي انعزل بعضهم عن بعض، أمّا في الاصطلاح فإنّ العزلة هي: الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع، وقد تمّ تعريف العزلة الشرعية من قِبل بعض العلماء بتعريفات أدبية، ومنهم الدكتور عائض القرني حيث قال في كتابه المسمّى “لا تحزن” العزلة الشرعية السنيّة هي: البعد عن الشرِّ وأهله وعن أهل الفراغ واللهو والفوضى، فيجتمع على الإنسان شمله ويدأ باله، ويرتاح خاطره ويجود ذهنه بدرر الحِكَم، ويسرح طرفه في بستان المعارف، أمّا الشيخ أبو إسحاق الحويني فقد قال بأنّ العزلة هي أمرٌ شرعي وسنّة نبوية، حيث شرع الله لعباده العزلة إذا رأوا من أقوامهم الإصرار على الكفر، ولكنّ لهذه العزلة مواطن وأحوال تستوجبها، كما أنّ أحكامها قد اُستنبطت من النصوص الشرعية، إذن فالعزلة الشرعية هي العزلة المضبوطة بأوامر الشرع والمحقّقة لشروط العزلة المنصوص عليها، وسيكون الحديث في هذا المقال عن شروط العزلة الشرعية وأهميتها.

شروط العزلة الشرعية

إنّ الأصل في الدين الإسلامي هو مخالطة الناس لأنّ في المخالطة الكثير من الفوائد التي يُمكن أن تضيع في العزلة، ولكن في حالاتٍ مخصوصة تكون العزلة أفضل من الخلطة ومن الأحوال التي يُستحبّ فيها العزلة: الخوف على الدين أي عند حصول الفتن وظهور الكفر وتفشّي المعاصي وانعدام قدرة الإنسان على الوقوف في وجه هذه الكبائر والمنكرات، وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه: باب من الدين الفرار من الفتن، وذكر في هذا الباب الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “يُوشِكُ أنْ يَكونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ”، فهذا الحديث دليل على جواز ترك مخالطة الناس واللجوء للعزلة الشرعية إذا كان في المخالطة خوفٌ على الدين. أمّا عن شروط العزلة الشرعية وضوابطها فتتلخّص بعدم التقصير في أداء حقوق أهل هذه الحقوق كصلة الأرحام وبرّ الوالدين وغير ذلك من الحقوق الواجبة على المسلم، بالإضافة إلى عدم التفريط في أداء الواجبات كحضور صلاة الجمعة وإقامة الصلوات المفروضة في المسجد مع جماعة المسلمين، وقد بيّن أهل العلم شروط العزلة الشرعية، حيث قال ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري: أنّ الإمام الخطّابي ذكر في كتابه المسمّى “العزلة”، أنّ العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلقاتهما، فالأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة وولاة الأمور، وما يتعلّق أيضًا بأمور الدين، أمّا بالنسبة للمخالطة بالأبدان فإن من حصل له الاكتفاء في معاشه وكان محافظًا على دينه، فإنّ اعتزال الناس والانكفاف عنهم أولى شريطة أن يُحافظ على صلاة الجماعة، ويؤدي السلام ويردّه على المسلمين، كما يجب عليه أن يعود المسلمين في مرضهم، ويُشاركهم في أحزانهم فيشهد جنائزهم، وغير ذلك من الأوامر التي تستوجب مخالطة الناس والاحتكاك بهم. كما قال ما معناه أنّ المطلوب هو ترك فضول الصحبة والابتعاد عن كثرة مخالطة الناس لأنّ في هذا انشغال للبال وضياع للوقت عن الأشياء المهمّة كالعبادة وطلب العلم، وفي جعل الاجتماع بالناس على قدر الحاجة والضرورة راحة للبدن والقلب، وقد قال الإمام القشيري في الرسالة القشيرية: طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شرّه، لا العكس: فإنّ الأول يُنتجه استصغاره نفسه، وهذه صفة المتواضع، والثاني شهوده مزيةً له على غيره، وهذه صفة المتكبّر”، وبالنسبة لتفضيل العزلة على الخلطة فقد استحبّ الكثير من السلف الصالح وعلماء الإسلام العزلة وفضلّوها على العزلة ومنهم: الصحابي سعد بن أبي وقّاص، والإمام مالك بن أنس وسفيان الثوري، ودليلهم في هذا التفضيل أنّ الله قد أمر نبيّه إبراهيم بالعزلة عندما أصرّ قومهم على كفرهم، وبقصّة أصحاب الكهف الذين اعتزلوا قومهم فرارًا بدينهم، وغير ذلك من الأدلّة الشرعية.

أهمية العزلة الشرعية

إنّ للعزلة الشرعية أهمية عظيمة وفوائد جمّة، ومنها أنّ العزلة الشرعية هي إحدى الطُرق التي يُربّي الإنسان من خلالها نفسّه ويُهذّب طباعه، إذ لا بدّ للإنسان أن يكون له خلوات مع نفسه وأوقات مخصّصة للعبادة والتفكر والخلوات الشرعية بعيدًا عن زحام الخلق ومشاغل الدنيا، ومن فوائد العزلة الشرعية أنّها وسيلة للفراغ للعبادة والاستئناس بمناجاة الله تعالى، وهي سبيل للتخلّص من بعض المعاصي التي تُسببّها المخالطة، ومن هذه المعاصي: الغيبة والنميمة والرياء واعتياد المعاصي والمنكرات بسبب كثرة المشاهدة عند الاختلاط بالناس، بالإضافة إلى أنّ الإنسان عندما يعتزل الناس فإنّه لا يعصي الله بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن فوائد العزلة الشرعية وأهميتها أنّها تحفظ على الإنسان دينه وتصونه له وتبعده عن الخصومات والمنازعات والفتن. كما أنّ في العزلة خلاص من شرور الناس المتمثلة بالغيبة والنميمة والحسد وسوء الظن، وقد قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: “في العزلة راحة من خلطاء السوء”، كما حكى أهل الصلاح والعلم الكثير من الأقوال التي تُبيّن أهمية العزلة وفوائدها، وفيما يأتي بعضٌ من هذه الأقوال والكلمات المعبّرة: قال أبو الدرداء رضي الله عنه: “نعم صومعة الرجل بيته يكفّ بصره ولسانه”. قال مسروق: “إنّ المرء لحقيقٌ أن يكون له مجالس يخلو فيها، فيذكر فيها ذنوبه، فيستغفر منها”. قال ابن تيمية: ولا بدّ للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته، وتفكّره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه”. قال ابن الجوزي: “ما رأيت مُشتِّتًا للهم مُبدِّدًا للقلب مثل شيئين: أحدهما: أن تُطاع النفس في كلّ شيئٍ تشتهته، والثاني: مخالطة الناس، فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو العبادة، ولا يزال يخالطهم حتّى تهون عليه الغيبة، وتضيع الساعات في غير شيء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى